ملا محمد مهدي النراقي

216

جامع الأفكار وناقد الأنظار

فان قلت : إذا كان شيء متقدّما على آخر فلا محالة يكون بالقياس إلى ثالث - ويقال لهذا الثالث : « ملاك التقدّم » - ، واتّفق العقلاء على أنّ اقسام التقدّم باعتبار الملاك لا يزيد على خمسة أنواع : الأوّل : التقدّم المكاني ، كالجالس في الصدر على من في صفّ النعال . وملاكه صدر المكان ؛ والثاني : التقدّم الزماني ، وملاكه صدر الزمان . وهو فيما بين اجزاء الزمان بالذات وفيما بين الحوادث الزمانية بالتبع ، فهو تقدّم واحد يتقدّم به اجزاء الزمان بالذات والزمانيات بالعرض . كالتقدّم بحسب الأمكنة ، فان التقدّم لأجزاء المكان بالذات وللمتمكّنين بالعرض ، ومثله حركة جالس السفينة . والمتكلّمون جعلوا هذا القسم قسمين وسمّوا التقدّم بين اجزاء الزمان تقدّما بالذات ، والتقدّم بين الموجودات الزمانية تقدّما بالزمان ، وهو تكلّف بلا فائدة ! ؛ والثالث : التقدّم بالشرف ، وهو الّذي يكون بين الأشياء باعتبار صفاتها شريفة كانت أو خسيسة ، وسمّوه بالشرف تغليبا . وملاكه تلك الصفة ؛ والرابع : التقدّم بالطبع ، وهو الّذي للعلّة الناقصة على معلولها ، وملاكه الوجود ؛ والخامس : التقدّم بالعلّية وبالذات ، وهو تقدّم العلّة التامّة على معلولها . وملاكه الوجوب ، لأنّ بوجوبها يجب عنها المعلول من غير تخلّف ، بخلاف الناقصة ، فانّ لوجوبها فقط لا يجب عنها المعلول ما لم يجتمع جميع ما يحتاج إليه فتصير تامّة . وقد يقال للأخيرين جميعا : بالذات وبالطبع أيضا بإطلاق أعمّ . فهذه أقسام التقدّم الّتي ذكرها العقلاء ولم يزيدوا عليها شيئا ، والتقدّم الدهري ليس شيئا منها ، فلا يكون صحيحا ! ؛ قلت : عدم ذكر الشيء لا يدلّ على البطلان ، وكم ترك الأوّل للآخر ! . فان قلت : التقدّم بالذات ليس تقدّما بمجرّد العقل ، بل هو أمر حقّ ثابت في نفس الأمر وفي محض الوجود والذات ، ولو فرض عدم العقول والأذهان فانّ حركة اليد بنفس ذاتها وصرف وجودها أصل لحركة المفتاح مفيضة لها وهي في حاقّ